إعادة هيكلة قطاع الذهب في مالي

Cass Banener Image
إعادة هيكلة قطاع الذهب في مالي

إعادة هيكلة قطاع الذهب في مالي

أصدرت الرئاسة المالية في 19 يناير 2026 مرسوماً يقضي باستحداث منصب وزاري جديد تحت مسمى "مفوض أنشطة التعدين برتبة وزير"، في خطوة إستراتيجية تهدف إلى سحب صلاحيات الإشراف المباشر على قطاع الذهب من وزارة المناجم التقليدية ووضعها تحت الرقابة المباشرة لرئيس المجلس الانتقالي، أسيمي غويتا.

يُمثِّل هذا التحوُّل الإداري ذروة مساعي باماكو لفرض سيادتها الكاملة على الموارد الطبيعية، وتحويل قطاع التعدين إلى أداة سياسية واقتصادية تُدار من القصر الرئاسي مباشرة.

تم تعيين هيلير بيبيان ديارا في هذا المنصب الجديد، وهو خبير في علوم الأرض ومسؤول تنفيذي سابق في شركة "باريك غولد" (Barrick Gold) الكندية، كبرى شركات التعدين العاملة في البلاد.

وقد برز دور ديارا مؤخراً كمستشار خاص للرئاسة وقاد المفاوضات الشَّرِسة ضدّ شركته السابقة، والتي انتهت بإجبارها على تسوية نزاعات ضريبية ودفع مئات الملايين من الدولارات للخزينة العامة.

تمنح الصلاحيات الجديدة للمفوض الرئاسي سلطة مطلقة في مراقبة تنفيذ سياسات التعدين، ومراجعة تقارير الشركات، والتأكد من الامتثال لقانون التعدين الصارم الصادر في أغسطس 2023.

وبناءً على هذه التغييرات، ستخضع كافة العقود القديمة والجديدة لمراجعة تهدف لرفع حصة الدولة والمجتمعات المحلية لتصل إلى 35%، بدلاً من 20% في القوانين السابقة.

كما يُفترَض أن يتمّ العمل على الانتقال من تصدير الذهب الخام إلى المعالجة المحلية عَبْر "المِصفاة الوطنية" التي تم إنشاؤها لتعظيم القيمة المضافة وتوفير فرص عمل تقنية.

وأدت هذه السياسات "السيادية" إلى انخفاض إنتاج الذهب الصناعي بنسبة 23% خلال عام 2025 نتيجة النزاعات القانونية، إلا أن السلطات تراهن على تعويض هذا النقص عَبْر تحصيل مبالغ ضخمة من المتأخّرات والضرائب المُستردَّة.

وتعكس هذه الخُطوة تحوُّل مالي نحو نموذج "تأميم إداري" غير معلَن، حيث يتم تهميش الوزارات التقليدية لصالح دوائر ضيقة موالية للرئاسة لضمان سرعة اتخاذ القرار والحفاظ على سرية الصفقات.

وبينما تنجح هذه السياسة في استرداد مبالغ مالية ضخمة (أكثر من 1.2 مليار دولار من التدقيقات الأخيرة)، إلا أنها تضع باماكو في مواجهة صعبة مع الاستثمار الأجنبي؛ فالتحدي الأكبر في عام 2026 سيكمن في قدرة الرئاسة على الحفاظ على تدفُّق الاستثمارات اللازمة لتطوير مناجم جديدة في ظلّ بيئة قانونية متغيِّرة وغير متوقَّعة.

ويُعَدّ المستثمرون الغربيون التقليديون من أكثر المتضرِّرين من هذه التغييرات، وخاصة شركات التعدين الكندية والأسترالية، حيث تأتي شركة "باريك غولد" (Barrick Gold) الكندية وشركة "ريزولوت" (Resolute Mining) الأسترالية على رأس المتضرِّرين؛ فقد واجهت هذه الشركات ضغوطاً لدفع تسويات ضريبية مفاجئة بمئات الملايين من الدولارات، كما تضررت هوامش ربحيتها نتيجة رفع حصة الدولة في المناجم إلى 35% بموجب قانون التعدين الجديد. كما أن هذه التغييرات خلقت حالة من عدم اليقين القانوني، مما سيدفع صناديق الاستثمار الدولية إلى خفض تصنيف مالي الائتماني، بما سيزيد من صعوبة تأمين تمويلات لمشاريع استكشافية جديدة.

ويمثل تراجُع نفوذ الشركات الأوروبية والغربية في قطاع التعدين المالي خسارة جيوسياسية واقتصادية لباريس، التي كانت تعتمد على استقرار تدفُّق الموارد من منطقة الساحل لتعزيز نفوذها الاقتصادي.

وبالمقابل، فإن مؤسسة الرئاسة المالية (المجلس الانتقالي) ستكون المستفيد الأكبر سياسياً ومالياً؛ حيث وفرت السيطرة المباشرة سيولة نقدية فورية للخزينة العامة بعيداً عن البيروقراطية، مما يساعد النظامَ على تمويل العمليات العسكرية وشراء الولاءات الداخلية في ظلّ العقوبات الدولية.

ويُتوقَّع أن تكون روسيا من المستفيدين من هذه التغييرات، من خلال الحصول على تسهيلات للتنقيب وتأمين المناجم، كبديل للشركات الغربية المنسحبة أو المتضررة، مقابل تقديم الدعم الأمني للنظام.

كما يمكن أن تستفيد الشركات الصينية من إعادة هيكلة العقود، حيث تمتلك القدرة على التكيف مع البيئات عالية الأخطار وتقديم عروض تتضمن بناء بِنْية تحتية مقابل امتيازات تعدينية، وهو ما يتوافق مع رؤية باماكو الجديدة.

وتستفيد الأسواق الإماراتية من زيادة تدفُّقات الذهب المالي سواء عَبْر القنوات الرسمية أم عَبْر تزايُد نشاط "المصفاة الوطنية" الجديدة التي تسعى باماكو لربطها بأسواق الذهب العالمية بعيداً عن القنوات الأوروبية.

وبالمجمل، فإن هذا التعيين يُنهي النفوذ التقليدي لبيروقراطية وزارة المناجم، ويُحوِّل المفاوضات مع الشركات الدولية من طابعها الفني والقانوني إلى طابع سياسي مباشر مع مؤسسة الرئاسة.

 



مواد ذات صلة
منافسة الجماعات الجهادية و"فاغنر" على مناجم الذهب ومناطق النفوذ
محاولات "جبهة نصرة الإسلام والمسلمين" التوغُّل في توغو